محمد متولي الشعراوي
1436
تفسير الشعراوى
بِما وَضَعَتْ » . وهذا يعنى أنها لا تريد إخبار اللّه ، ولكنها تريد أن تظهر التحسر ، لأن الغاية من نذرها لم تتحقق وبعد ذلك يقول الحق : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » . فهل هذا من كلامها ، أم من كلام اللّه ؟ قد قالت : « إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى » وقال اللّه : « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » . إن الحق يقول لها : لا تظني أن الذكر الذي كنت تتمنينه سيصل إلى مرتبة هذه الأنثى ، إن هذه الأنثى لها شأن عظيم . أو أن القول من تمام كلامها : « إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى » ويكون قول الحق : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ » هو جملة اعتراضية ويكون تمام كلامها « وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى » . أي أنها قالت : يا رب إن الذكر ليس كالأنثى ، إنها لا تصلح لخدمة البيت . وليأخذ المؤمن المعنى الذي يحبه ، وسنجد أن المعنى الأول فيه إشراق أكثر ، إنه تصور أن الحق قد قال : أنت تريدين ذكرا بمفهومك في الوفاء بالنذر ، وليكون في خدمة البيت ، ولقد وهبت لك المولود أنثى ، ولكني سأعطى فيها آية أكبر من خدمة البيت ، وأنا أريد بالآية التي سأعطيها لهذه الأنثى مساندة عقائد ، لا مجرد خدمة رقعة تقام فيها شعائر . إنني سأجعل من هذه الآية مواصلة لمسيرة العقائد في الدنيا إلى أن تقوم الساعة . ولأننى أنا الخالق ، سأوجد في هذه الأنثى آية لا توجد في غيرها ، وهي آية تثبت طلاقة قدرة الحق ، ولقد قلت من قبل : إن طلاقة القدرة تختلف عن القدرة العادية ؛ إن القدرة تخلق بأسباب ، ولكن من أين الأسباب ؟ إن الحق هو خالق الأسباب أيضا . إذن فمادام الخالق للأسباب أراد خلقا بالأسباب فهذه إرادته . ولذلك أعطانا الحق القدرة على رؤية طلاقة قدرته ؛ لأنها عقائد إيمانية ، يجب أن تظل في بؤرة الشعور الإيمانى ، وعلى بال المؤمن دائما . لقد خلق اللّه بعضا من الخلق بالأسباب كما خلقنا نحن ، وجمهرة الخلق عن طريق التناسل بين أب وأم ، أما خلق الحق لآدم عليه السّلام فقد خلقه بلا أسباب . ونحن نعلم أن الشئ الدائر بين اثنين له قسمة عقلية ومنطقية ، فمادام هناك أب وأم ، ذكر وأنثى ، فسيجىء منهما تكاثر . .